"كوفيد-19" ومستقبل صحافة البيانات في العالم العربي

2022-04-11 10:43

التقارير

في العام 1854 قاست لندن بسبب تفشي وباء الكوليرا، ذلك المرض البكتيري الذي كان يلفّه الغموض حينها، ولم يُعرف عنه سوى القليل. لم يفهم أحدٌ -على نحو قاطع- كيف تنتقل عدوى الكوليرا بين سكان المدينة وتحصد أرواح العديدين منهم، تاركة السلطات الصحية في مأزق كبير لعدم توفر ما يكفي من المعلومات وقتَها بشأن الجراثيم.

وبينما ساد اعتقاد بأن عدوى الكوليرا تنتقل عبر الهواء، كان الطبيب الإنجليزي جون سنو يعمل على تعقب مصدر الكوليرا بناء على نظرية ترى أن الوباء ينتقل عبر مصدر مائي أو غذائي ملوّث. وضمن جهوده لحل هذه المعضلة، وضع جون سنو خريطة تبين المواقع التي حدثت فيها الوفيات في لندن، من أجل تضييق نطاق بحثه عن العامل المشترك الذي قد يفسّر سبب ارتفاع الوفيات في تلك البؤر.

كان الماء يصل إلى الناس بشكل أساسي عبر شركتيْ توزيع، وكانت إحدى المناطق التي شهدت قفزات في حصيلة الوفيات تقع ضمن نطاق توزيع إحدى الشركتين. وبما أن الدكتور سنو كان معنيًّا باختبار نظريته التي تقول إن المرض ينتقل عبر الماء الملوث، فقد توجّه إلى منشآت شركة توزيع المياه في المنطقة الأشدّ تأثرًا بالوباء. واكتشف سنو عبر المخططات المسحيّة الأولية التي وضعها، أن مياه الشرب التي تصل إلى الناس في المنطقة المقصودة ملوثةٌ بالمياه العادمة. تجاوبت السلطات المعنية مع نظرية سنو وملاحظاته، واتخذت الإجراءات التي كانت كفيلة -بالنهاية- في المساعدة على احتواء الوباء بعد السيطرة على مصدر تفشي المرض.

لقد ساعدت هذه الطريقة المبتكرة -بالاستناد إلى بيانات مسحيّة مكانية- على تعقب مصدر الوباء، كما مكّنت السلطات من اتخاذ الخطوات العملية الضرورية لوقف تفشي وباء الكوليرا عبر تحديد مصدر المرض الرئيسي. أما الدكتور سنو فأصبح بفضل عمله الذي قام به أحد مؤسسي ما بات يعرف اليوم بعلم الوبائيات (1). 

 

من الكوليرا  إلى كوفيد-19

يعدّ وضع الخرائط التوضيحية إحدى الطرائق التي تعتمد عليها صحافة البيانات لجعل البيانات المتوفرة أكثر وضوحًا ومفهومية. فاستخدام البيانات ليس بالأمر الجديد، بل كان ممارسة معهودة منذ فترات بعيدة، مثلما فعل الدكتور سنو، إلا أن التكنولوجيا المتطورة اليوم جعلت الاستفادة منها أمرًا أكثر سهولة وكفاءة، إضافة إلى أن البيانات نفسها باتت متوفرة على نحو أكبر بكثير في هذا العصر الرقمي.

في عصرنا الحاضر، تأثرت حياتنا على نحو عميق بأزمة جائحة فيروس كورونا الجديد الذي سجلت أول حالة عدوى به في ديسمبر/كانون الأول 2019 بمدينة ووهان الصينية. لقد غيّر الفيروس الجديد نمط عيشنا اليومي ونحن نحاول التكيف مع الإجراءات الاحتياطية اللازمة، مثل الانعزال والتباعد الاجتماعيين، إضافة إلى إجراءات الإغلاق الكامل التي فرضتها السلطات لمنع تفشي الفيروس. وقد أصاب أثر هذه الجائحة العديد من القطاعات، ولم تكن الصحافة بمنأى عن ذلك بطبيعة الحال.

فبسبب التفشي الواسع للمرض خسر العديد من الناس وظائفهم، واضطر آخرون إلى الاكتفاء بالعمل من منازلهم، وكان لزامًا على الموظفين وأصحاب العمل أن يقبلوا بتغييرات غير مسبوقة بالنسبة إلى هذا الجيل على الأقل. وبسبب التراجع الاقتصادي الذي انعكس أثره السلبي على المؤسسات الإعلامية التي كانت أصلا تعاني من صعوبات مالية، خسر العديد من الصحفيين والصحفيات وظائفهم، ولا سيما الذين ينشطون ضمن نمط العمل الحرّ. وفي الولايات المتحدة وحدها، خسر زهاء 36 ألف صحفي وصحفية عملهم بشكل دائم أو مؤقت، أو عانوا من تقليصات في أجورهم (2). 

 

ركود سوق الصحافة الميدانية

أضرّت الإجراءات الوقائية الخاصة بجائحة كورونا بالعمل الصحفي الميداني، بعدما اضطرت معظم غرف الأخبار إلى الاعتماد على خيار العمل من المنازل، (3) مما نجم عنه ركود في العمل الميداني، وذلك لأن رأس مال الصحفي العامل في هذا المجال هو مصادره التي يتوصل إليها أثناء وجوده في الميدان.

فالمصادر تتوفر للصحفي على نحو يومي وضمن عملية تراكمية من الخبرة، إذ يخوض رحلة يومية من البحث، يثريها بشكل مباشر عبر نشاطه على الأرض. وهكذا فإن شبكة المصادر التي طورها الصحفي قبل الجائحة لن تظل بنفس القيمة ضمن الواقع الجديد الذي فرضته، لأن البعض قد يتحاشون الإدلاء بتصريحات عبر الهاتف خوفًا من المسؤولية القانونية أو ملاحقة السلطات التي يعملون لديها. 

كما أن المقابلات التي تكون أكثر فعالية وقيمة هي تلك التي تعقد وجها لوجه، ذلك أن الصحفي الحذق يوظّف مهاراته في المقابلة لاستخلاص الإجابات المهمة، كأن يعتمد مثلا على ملاحظة لغة الجسد لدى المسؤول أو المصدر الذي يقابله. فالثقة أو التردد أو التدليس هي مشاعر أيضًا، ويمكن للصحفي الكشف عنها أثناء وجوده في الميدان وتوجيهه الأسئلة المتعلقة بمواضيع راهنة، وهذا ما تعجز عن ضمانه آلية إرسال أسئلة المقابلة والإجابة عليها عبر البريد الإلكتروني على نحو غير تفاعلي. أضف إلى ذلك أن جائحة "كوفيد-19" شكّلت بذاتها عائقًا يمنع التواصل مع الآخرين وجهًا لوجه خوفًا من العدوى.

المسألة الأخرى المتعلقة بالعمل الصحفي من المنزل ترتبط باضطرار الصحفي إلى الاعتماد على المصادر التي توفرها الجهات الرسمية أو الناطقون الإعلاميون باسمها، كما أن الإيجازات الصحفية ومقاطع الفيديو تُعدّ وتُعدّل من طرف المكاتب الإعلامية للمؤسسات الرسمية، حتى بات دور الصحفي في العديد من الحالات مقتصرًا على نقل تلك المعلومات إلى جمهوره (4).  

لقد تضاعف حجم التحدي المتعلق بالتحقق مما تقدمه الجهات الرسمية، خاصة فيما يتمحور حول فيروس كورونا الجديد، ذلك أن بعض السلطات تميل إلى تفادي بيان التأثير الحقيقي للجائحة على أدائها لمواجهة الأزمة. كما أن الحكومات قد ترغب في تجنب انتقادات المواطنين لو اطلعوا بشفافية على مستوى عدم الجاهزية في المؤسسات الصحية للتعامل مع تفشي الجائحة وفشلها في احتوائها (5). 

في الوقت ذاته، تزايد بشكل كبير اهتمام عامة الناس بمتابعة آخر أخبار الوباء وهو يتفشى من بلد إلى آخر، وتزايد الاهتمام بالقصص الصحفية بمقدار ثلاثة أضعاف عالميًّا. لكن جائحة "كوفيد-19" لا يمكن تعقبها ولا فهمها بالكلمات وإنما بالأرقام. كما لجأت السلطات إلى الأرقام من أجل التحقق من فعالية الإجراءات المتبعة. وقد عرفنا عددًا من تطبيقات الهواتف المحمولة التي أطلقت في عديد الدول حول العالم، والتي تعتمد على البيانات الخاصة بالحالات المسجلة مقارنة بالكثافة السكانية في منطقة ما، لبيان مستوى تفشي الوباء فيها، والمساعدة في تعقب المصابين والكشف عن حالات المخالطة.

 

صحافة البيانات

بعد الضربات التي تلقاها العمل الصحفي التقليدي والتوجه أكثر نحو الصحافة الرقمية، تعزز الدور الذي تضطلع به صحافة البيانات والمتمثل في عرض قصص أوفى حول الفيروس الجديد.

سيطرت في الأشهر الأولى من العام 2020 القصص الصحفية التي تتناول أعداد الإصابات بعدوى كورونا والوفيات المرتبطة بها، إلا أن صحافة البيانات ليست مرتبطة بنشر البيانات أو تقديمها بأشكال بيانية مبتكرة وحسب. فالتقارير اليومية حول أرقام كورونا تعجز في ذاتها عن تقديم قيمة حقيقية للعامة بخصوص جوانب أخرى مرتبطة بالجائحة، مثل مستوى شدّة تفشي المرض بين الناس، وتحديد الفئات العمرية الأكثر عرضة لمخاطر أشدّ بسبب العدوى، إضافة إلى تقييم كفاءة المؤسسات الصحية العامة.

هنا يبرز دور صحافة البيانات في وضع هذه البيانات في سياقها وشرح مفهومها للجمهور. فلا بد للصحفي من تحليل البيانات التي توفرها السلطات الرسمية، باعتبارها المصدر الأساسي للأرقام المتعلقة بالفيروس، كما يلزمه أن يحرص على فهمها وتفسيرها بشكل دقيق.

ورغم إمكانية عرض هذه الأرقام للجمهور، فإنها قد لا تعني الكثير لهم في ذاتها، لا سيّما فيما يخص علاقتها بجوانب أخرى للجائحة، مثل نطاق تفشي العدوى في مدينة ما، ونسبتها من مجموع عدد السكان، وتحديد عدد الأسرّة المتوفرة في المستشفيات، ومعرفة معدلات الشفاء أو الحالات المستقرة، وتقدير كفاءة المنشآت الصحية العامة في التعامل معها وجودة الخدمات التي تقدمها. كما أن تحليل هذه البيانات يساعد في الكشف عن المعلومات الخاطئة والأخبار المضللة.

في المرحلة المبكرة الأولى من بدء تفشي وباء كورونا، تعاون المختصون في مجال البيانات مع العلماء من أجل فهم كنه هذا الفيروس والوصول إلى حقائق واضحة بشأنه. وثمة مشاريع جديرة بالذكر ساعدت على بيان أثر الجائحة، عبر توظيف الخرائط والرسوم البيانية يتّضح فيها حجم التحليل الحاصل على البيانات التي يتم جمعها. فقد اهتم أصحاب هذه المشاريع مثلا ببيان كيفية تعامل السلطات مع الفيروس والمقارنة بين النتائج لتحديد أي الطرق كانت أجدى في ضبط تفشي العدوى به. كما حاولت بعض التقارير المعتمدة على البيانات تحديد مدى جدوى عمليات الإغلاق التام بين دولة ودولة، في حين تتبعت تقارير أخرى جدوى التقيد بالكمامات الواقية، واحتمال انتقال العدوى عبر الهواء في الأماكن المغلقة: في البيت أو المقهى أو الفصل الدراسي. وهذا الموضوع وحده الذي نشرته صحيفة "إلباييس" الإسبانية المتعلق بانتقال العدوى عبر الهواء، ولّد أكثر من 40 مليون مشاهدة للصفحات التي تتناولها (6). 

لقد أحرزت فرق البيانات قدرًا كبيرًا من النجاح خلال الجائحة بفضل التقارير المتميزة التي اعتمدت على البيانات لتوضيح شدّة تأثير الجائحة، وصارت عنصرًا أساسيًا في معظم التقارير الصحفية خلال الأزمة، وساعدت بشكل أساسي على تجاوز العقبات التي فرضها العمل من المنزل. فالأزمة التي نعيشها اليوم أثبتت أنه لم يعد ممكنا الاستغناء عن البيانات، وأنها ليست مجرد طريقة بديلة استعراضية للحديث عن الأرقام، كما أكّدت ضرورة تطبيقها والاعتماد عليها في العالم العربي.

وستواصل صحافة البيانات السعي لتعزيز موقعها في تغطية الأزمة الوبائية المستمرة التي وصلت اليوم إلى مرحلة التعامل مع اللقاحات وتوزيعها، بالتزامن مع ظهور طفرات جديدة من الوباء في المملكة المتحدة وغيرها، وهو ما خلق مساحات جديدة من سبر هذه التطورات عبر البيانات المتوفرة (7). لقد استغرقت عمليات تطوير اللقاح عامًا تقريبًا منذ بدء الجائحة، ومع أنباء هذه الطفرة الجديدة على الفيروس، فإن البيانات ستظل أساسية في متابعة أخباره وفهمها وتقدير آثارها.

 

البيانات والصحافة الاستقصائية.. وجهان لعملة واحدة؟

حين يعلن مسؤول ما عن اتخاذ الحكومة إجراءات للتعامل مع الجائحة، فإنه يلزم النظر في البيانات التي تقدمها السلطات وإخضاعها للتحقق والتحليل لمعرفة إن كان ادعاء المسؤول في مكانه أم لا. فلا يمكن مثلا فهم نجاعة إنشاء صندوق لدعم اللقاحات وفعالية الدفعات التي تم شراؤها إلا عند الاطلاع على جوانب أخرى للمسألة، مثل تتبع الفئة التي حصلت على اللقاحات وتحديد ما إذا حصل تدنٍّ في معدلات العدوى أو العكس خلال فترة زمنية محددة. وقد ينجم عن هذا العمل جوانب أخرى جديرة بالاستقصاء، مثل متابعة الجانب التنفيذي من عمليات التطعيم المعلن عنها وتقييمها، وهل استُغلت المبالغ المخصصة للبرنامج بكفاءة أم أنفقتها الحكومة بشكل متسرع دون تحقيق النتائج المرجوة.

من الوارد أن تكون صحافة البيانات الركن الأساسي في قصة صحفية ما، إلا أنها يمكن أن تؤدي دورًا ثانويًّا مكمّلا في تقرير صحفي استقصائي، فالخيارات لا حصر لها، لا سيما مع التوفر الكبير للبيانات وبشكل لا مثيل له في الماضي. فإذا كان الصحفي يعمل على تحقيق استقصائي حول موضوع رائج يتعلق بجرائم الكراهية مثلا، فسيكون بوسعه تجاوز السؤال عن معدل الجريمة وهل ارتفع أو انخفض في دولة ما، وأن يركز في بحثه على مستوى أشمل بالاعتماد على البيانات، مثل بيان تأثير معدل الهجرة على الاقتصاد، وزيادة الضغوط على الفئات السكانية ذات الدخل المتوسط والمتدني، وهو ما يمكن أن يفسر ارتفاع معدلات جرائم الكراهية في بعض المناطق خلال السنوات الماضية.

عند التفكير من منطلقِ صحفيِّ البيانات، فسيكون البحث الاستقصائي أكثر عمقًا، كما أن سبر البيانات والتنقيب فيها سيؤدي إلى إجابات توضّح بشكل أوفى الأسباب الكامنة وراء وقوع بعض الحوادث.

على سبيل المثال، حين تقع كارثة طبيعية في منطقة ما، مثل إعصار أو هزة أرضية، فسيتم الحديث صحفيًّا عن الواقعة ذاتها وحجم الأضرار التي تسببت به. لكن صحفي البيانات سيستقصي عن السبب الذي جعل حجم الأضرار في منطقة سكنية ما أكبر مما شهدته منطقة أخرى، إذ قد يرجع السبب مثلا إلى تباين في المعايير المفروضة على الإنشاءات بين منطقة وأخرى. كما قد يكشف البحث عن فساد مرتبط بتدني جودة المواد المستخدمة في البناء، أو عدم أداء السلطات المعنية لواجبها فيما يتعلق بالفحص الدوري للأبنية وحالتها.

وهكذا نفهم التقارب بين صحافة البيانات والعمل الصحفي الاستقصائي، وأنهما قد يسيران في خط واحد لتحقيق غاية مشتركة تتمثل في الكشف عن الحقيقة من أجل الصالح العام.

وفي ظل الصعوبات التي تواجه المؤسسات الصحفية لإنتاج تقارير استقصائية معمقة بالطريقة التقليدية، خاصة مع الضغط المالي الذي تعمق أكثر مع جائحة كورونا، فإن الاعتماد على البيانات بين الصحفيين الاستقصائيين قد تزايد بشكل كبير.

ثمة العديد من المشاريع الصحفية البارزة التي أثبتت بكل جلاء مكانة البيانات وأهميتها، إضافة إلى بيانها دور التقنية الكبير وعدم إمكان الاستغناء عنها في عمليات إدارة البيانات واستخلاص المعلومات القيمة، وهو ما مثّل قيمة مضافة كبيرة على التحقيقات الاستقصائية. فالبيانات ليست مجرد أرقام، فقد تكون صورًا ومقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية. ولا شكّ أن استخدام البيانات على اختلاف أشكالها يُثري الصحافة الاستقصائية التي تستفيد باستمرار من حجم البيانات الضخم الذي يتضاعف كل عام. ويقدّر أن يصل حجم البيانات المسجل عالميًا إلى زهاء 200 زيتابايت بحلول العام 2025 (8)، علمًا بأن هذا الرقم قد بلغ زيتابايتين فقط في 2010، و59 زيتابايتا عام 2020 (9). وللتقريب، فإن الزيتابايت الواحد يعادل 1000 إكسابايت، أو مليار تيرابايت، أو تريليون غيغابايت!

حين كشف العميل السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن عن الوثائق السرية المتعلقة باختراق خصوصية الأفراد، أثار مضمونها ضجة كبيرة وأثّر على الرأي العام العالمي. لكن قارئ الأخبار العادي لا يستطيع التحري عن كافة هذه الوثائق لاستخلاص المزيد من المعلومات منها، إذ لا شكّ أن ذلك سيكون عملية مضنية وطويلة. هنا تتدخل صحافة البيانات لجعل البيانات أكثر فائدة، مثلما فعلت "الغارديان"، إذ عمدت إلى تحليل ملفات وكالة الأمن القومي (NSA) لتقدم للقراء قصصًا يمكنهم التعامل معها والاستفادة منها (10). ويمكن لاستخدام لغات برمجية خاصة بإدارة البيانات تسهيل هضمها والتعامل معها، وذلك مثل لغة "أس.كيو.أل" (SQL) التي تمكّن من إدارة قواعد البيانات العلائقية من أجل التحديد السريع للعلاقات بين البيانات.

هذه المعرفة البرمجية المتخصصة هي ما يجعل بعض المشاريع ممكنة، وذلك مثل ما قامت به "الغارديان" أيضًا مع الملفات الخاصة بالحرب على أفغانستان في "ويكيليكس"، والتي استفادت منها في إنتاج خريطة تحديد مواقع الانفجارات هناك. تخيّل أن بين يديك وثائق عن كل هجوم بالألغام الأرضية والعبوات الناسفة المبتكرة في تلك البلاد التي مزقتها الحرب بين عامي 2004 و2009، فكيف بوسعك أن تعصر من كل هذه الوثائق قصة واحدة مفهومة للقراء وبطريقة جذابة أيضًا؟

استخدمت "الغارديان" تقنية إعداد الخرائط من أجل تقديم صورة عن كثافة الانفجارات التي عصفت بأفغانستان في تلك السنوات، كما تبين في التقرير أن العبوات الناسفة اليدوية الصنع كانت العامل الأساسي المسؤول عن القتلى في صفوف الجيش البريطاني (11).

ما تزال صحافة البيانات تخلق فارقًا كبيرًا في عالم الصحافة، خاصة في أيامنا هذه حيث يصعب فهم جائحة كورونا بدون الاعتماد على البيانات. لقد أثبتت هذه الأزمة أهمية توظيف البيانات في إعداد القصص الصحفية حول تفشي الفيروس ومعرفة آخر المعلومات بشأنه، إضافة إلى متابعة كيفية تعاطي الحكومات مع الجائحة. كما أكّدت على ضرورة أن يلتفت الصحفيون إلى آخر التطورات على صعيد البيانات، بالإضافة إلى الدمج بين العمل الصحفي الميداني والعمل مع البيانات وتقنياتها من أجل إنتاج محتوى متميّز (12). 

 

الصحفي وملَكة استخدام البيانات

لصحافة البيانات دور إيجابي ومعزّز للعمل الصحفي الاستقصائي. لقد كانت صحافة البيانات دائما موجودة، لكن الذي يدفعنا اليوم للحديث عنها أكثر هو التقنيات المرتبطة بهذا العمل، إضافة إلى تزايد سهولة الوصول إلى البيانات. ومع تطور قطاع الصحافة والإعلام من الصحف المطبوعة والتلفاز وصولا إلى الوسائط المتعددة والصحافة الرقمية، فإن البيانات وطرق الاستفادة منها تتطور كذلك، وعلى نحو يزيد من كفاءة التقارير الصحفية الاستقصائية، في تداخلٍ بين الحقلين قد يؤدي في المستقبل إلى تحقق الاندماج بينهما.

ورغم أن العديد من وسائل الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تستفد بعد بالشكل المطلوب من صحافة البيانات، ولم تسع للاستعانة بفرق متخصصة بهذا المجال في غرف الأخبار، فإن الحاجة إلى صحفيي البيانات تزداد وتنمو. ذلك أنه لا بدّ من اللحاق بالتطور الحاصل عالميًّا في عالم صحافة البيانات، وقد شكلت جائحة "كوفيد-19" درسًا وحسب يذكّر بضرورة إيلاء أهمية أكبر للبيانات واستخدامها الصحفي.

يضعنا ذلك أمام سؤال المبادرة: هل يبقى الصحفي في دائرة الراحة ويواصل العمل بالطريقة التقليدية المعهودة إلى أن يحصل تغيير من الأعلى حين تتبنى وسائل الإعلام الكبرى في المنطقة هذا الخط من العمل الصحفي في مجال البيانات، أم عليه اليوم أن يبادر ليكون في طليعة هذا التغيير، ويستعدّ لهذا التطوّر الحتميّ كي يتمكن من التكيّف وإثبات الذات في المستقبل؟

بما أن المستقبل هو اليوم، فإن على الصحفي أن يبذل قصارى جهده كي يواكب التغيرات التي تحصل من حوله، لا سيما مع التنافس الشديد على الوظائف المحدودة، حيث لا بدّ من امتلاك المهارات المميزة من أجل خلق الفرص والاستفادة منها. فإلى جانب مهارات الكتابة والعمل الاستقصائي، على الصحفي أن يكون قادرًا على التعامل مع الأرقام، وأن يمتلك المعرفة الأساسية بالبرمجة والتقنيات ذات العلاقة بمجال عمله، كي يتمكن من إعداد قصص صحفية باستخدام البيانات. والفرصة سانحة اليوم، بفضل توفر البيانات بشكل أسهل من ذي قبل، إذ لا يبقى على الصحفي سوى امتلاك القدرة الحقيقية على الاستفادة منها بالشكل الأمثل.

فإن كان الصحفي معنيًّا بالمصداقية، فمن الضروري إعداد قصة صحفية بناء على الحقائق والبيانات التي تم التحقق منها، بدل الاكتفاء بالاقتباس من مصادر ثانوية، وسيمكّنه ذلك من عرض الحقائق أمام الجهات المعنية أيًّا كانت، وهذا أمر بالغ الحساسية، خاصة عند أخذ مسألة التمويل في الحسبان، إذ يُفرض على المؤسسات الإعلامية أحيانًا اتخاذ سياسات في العمل الصحفي تتماشى مع أجندة الجهات الداعمة.

وإضافة إلى أنها تُمكّن من بناء القصة الصحفية على الحقائق بشكل يجعل المسؤولين يتحملون مسؤولية تصريحاتهم، تتميز صحافة البيانات بقدرتها على تحويل القصة المعقدة إلى شكل مفهوم وميسّر للجميع (13).

 

صحافة البيانات في العالم العربي

أنتجت العديد من المؤسسات الإعلامية العربية قصصًا ترتكز على البيانات، ومن بينها: شبكة الجزيرة، وشبكة أريج، وإنفوتايمز، وإنكفاضة، وحبر، ونون بوست (14)، ومع ذلك لا يمكن القول بأن صحافة البيانات تشكل جزءًا أساسيًّا من مشهد الصحافة العربية اليوم. كما تطرقت جهات أخرى إلى موضوع صحافة البيانات في السنوات الماضية، وتناولت الظاهرة نفسها كحقل مبتكر ناشئ عربيًّا، وتحدثت عن ضرورة تبنيه في الممارسة الصحفية العربية.

لكن، ورغم هذا الاهتمام الظاهر بها والذي نجده في بعض المقالات التي تبشّر بها على اعتبارها مستقبل الصحافة، فإن صحافة البيانات لم تكتسب حتى الآن الشيوع المنشود في العالم العربي. وباستثناء عدد محدود من المؤسسات الإعلامية العربية التي بادرت بالعمل على صحافة البيانات، ما تزال الأغلبية الباقية مترددة بشأن دمجها في غرفة الأخبار. وقد يعود ذلك إلى أسباب مختلفة، فثمة جوانب مالية وسياسية تؤثر على المؤسسة الإعلامية، خاصة في وكالات الأخبار الحكومية وما فيها من بيروقراطية مفرطة والتزام بقواعد ورسميات تعيق عملية التطوّر، إضافة إلى القيود التوجيهية العامة والأجندة السياسية للسلطة أو المموّل، والتي قد تفضّل تجنّب الإنتاج الاستقصائي. وهناك مؤسسات إعلامية أخرى تعاني من ضغوط على مستوى ضعف التمويل والإيرادات وقلق الاستدامة، وقد تفضل لأجل ذلك أن تركز على تعزيز زيارات مواقعها الإلكترونية، بدل الاستثمار في مشاريع تستغرق قدرًا أكبر من الموارد والوقت لإنتاجها.

إن الحاجة إلى صحافة البيانات تتزايد في العالم العربي، وهو اتجاه مدفوع بالرغبة في الشفافية ونقل الحقائق إلى العامة بوضوح، لكن القيود المفروضة على الصحفيين في العديد من البلدان العربية كثيرة، حيث يعدّ تجاوز الخطوط المرسومة من السلطات مخاطرة قد تؤثر على سلامتهم ومسارهم المهني.

ورغم أن بعض البيانات الرسمية تُنشر في العالم العربي لأغراض إحصائية، فإن معظم الصحفيين لا يستخدمونها في قصص صحفية مرتكزة على البيانات، ويكتفون بالحديث حولها بالطريقة التقليدية.

في المقابل، ما يزال العالم العربي يعاني من نقص في البيانات المتوفرة والمتاحة للعامة، مقارنة مع الدول الغربية، وكثيرًا ما تكون السلطات هي المصدر الوحيد الذي يحوز تلك البيانات، فيضطر الصحفي للعمل مع هذه البيانات المتوفرة بعد الحصول عليها مع كتابة تنويه بإخلاء المسؤولية بشأن مدى مصداقيتها (15). 

لكن، لا ينبغي لعدم الوفرة في البيانات أن يثبط الصحفي عن ممارسة صحافة البيانات، بل عليه أن يجمع بنفسه البيانات المطلوبة عبر العمل الصحفي الميداني والمهارات الاستقصائية والاستبيانات والنظر في أرشيفات الأخبار وغيرها. وكلما تزايد حجم العمل في صحافة البيانات ستتطور أكثر، وستدفع الممارسة -في حد ذاتها- نحو تعزيز الحق في الوصول إلى البيانات، وتفعيل القوانين المتعلقة بحرية الحصول على المعلومات وتداولها.

من العوامل الأخرى التي تفسر ضعف الإقبال على صحافة البيانات عربيًّا هو نقص المهارات اللازمة لهذا الحقل الصحفي، إذ يلزم امتلاك مجموعة من المهارات الأساسية، في مقدمتها المهارات الإحصائية والحسابية، والمعرفة التقنية، إضافة إلى بعض المهارات الإعلامية الرقمية ومهارات السرد البصري، والتي يحتاجها الصحفي ليتمكن من عرض المحتوى على نحو واضح (16). 

على الصحفيين في العالم العربي المبادرة إلى الاستثمار في أنفسهم حتى لو غاب الدعم من المؤسسات التي يعملون لديها، كما عليهم الاستفادة من المصادر المجانية المتوفرة على الإنترنت لتعلم المهارات الأساسية لممارسة صحافة البيانات.

ولدينا اليوم بعض المبادرات في منصات جديدة معنية بصحافة البيانات تسعى لإحداث تغيير إيجابي في الصحافة بالعالم العربي، وهي خطوات من شأنها أن تحرّك الفضول لدى المؤسسات الإعلامية الكبرى وتدفعها نحو الاعتماد على صحافة البيانات بشكل أكبر (17). ومن المرجّح أن يحدث ذلك في المستقبل القريب، خاصة أن صحافة البيانات بدأت تحتل جزءًا من المناهج الأكاديمية في تخصصات الصحافة والإعلام، وهو ما يعني أن الأجيال الجديدة من الصحفيين قد تكون أقدر على استخدام البيانات في عملها.

 

 

مصادر: 

1-  By Scott Crosier - John Snow: The London Cholera Epidemic of 1854https://escholarship.org/content/qt9xq3k956/qt9xq3k956_noSplash_cfd6f43713b26fd239c0af92b2f457a6.pdf  

2- Damian Radcliffe - COVID-19 Has Ravaged American Newsrooms – Here’s Why that Matters https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3693903  

3-https://www.france24.com/ar/20200904-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%88%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%8A-%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%84%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86   

4- Georgiana Stănescu - The importance and role of the journalist during covid-19. Lessons learned from home journalism. https://www.cilconference.ro/wp-content/uploads/2020/09/cil_2020_research_terminals.pdf#page=105  

5-https://www.cilconference.ro/wp-content/uploads/2020/09/cil_2020_research_terminals.pdf#page=105 

6-https://datajournalism.com/read/longreads/covid-19-data-journalism 

7- https://www.bbc.com/news/health-55388846 

8-https://cybersecurityventures.com/the-world-will-store-200-zettabytes-of-data-by-2025/#:~:text=200%2C000%2C000%2C000%2C000%2C000%2C000%2C000%20bytes%20(200%20ZB)%20of,terabytes%2C%20or%20a%20trillion%20gigabytes

9-https://www.statista.com/statistics/871513/worldwide-data-created/ 

10-https://www.theguardian.com/world/interactive/2013/nov/01/snowden-nsa-files-surveillance-revelations-decoded#section/3

 

11-https://www.theguardian.com/world/datablog/2010/jul/26/wikileaks-afghanistan-ied-attacks 

12-https://datajournalism.com/read/longreads/covid-19-data-journalism 

13-https://ijnet.org/en/story/using-data-journalism-to-tell-better-stories

14-https://institute.aljazeera.net/sites/default/files/2019/Data%20Journalism%20Ar%20-%20Web.pdf 

15- Norman P. Lewis ORCID & Eisa Al Nashmi - Data Journalism in the Arab Region: Role Conflict Exposed  https://doi.org/10.1080/21670811.2019.1617041 

16- https://www.almasryalyoum.com/news/details/2241638

17- https://www.elwatannews.com/news/details/3763794 

 

المصدر: محمود بركات- معهد الجزيرة للاعلام